فوزي آل سيف

102

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

هناك بعض الحقائق لا يستطيع كثير من الناس أن يتحملوها، وهناك أوعيةٌ للعلم والمعرفة تستطيع أن تتحمل هذه المعلومات وهذه المعارف ومن ذلك أن في ما حول رسول الله صلى الله عليه وآله كان يوجد منافقون أشار إليهم القرآن الكريم بقوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)[304] ويظهر أن هؤلاء غير أولئك وإلا لما كان معنىً للعطف، يعني يفترض أن من بين المهاجرين القادمين من مكة، كان هناك أشخاصٌ منافقون على خلاف ما زعمه بعض المحدثين من أنه لم يكن هناك منافقون من قريش! وبحديثه عنهم والإشارة إليهم يحذرُ القرآن الكريم منهم، وهذه الآية وأمثالها هي من الطعون القرآنية التي وجهت إلى (نظرية عدالة الصحابة) كما سبق وأن أشرنا إليها في الفصول الأولى من هذا الكتاب، وقلنا أنّ ما دام القرآن الكريم قد أثبت وجود المنافقين في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل مكة المهاجرين ومن أهل المدينة القاطنين، فلا معنى بعد ذلك لأن نقول: إن كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله عدولٌ ثقاةٌ وأنهم كلهم من أصحاب الجنة وأنهم كلهم أفضل البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن هذا يكون معارضًا للقرآن الكريم. بعد هذا؛ نقول هل هناك من المسلمين من اطلع عليهم؟ وحسب التعبير المعاصر، من هو الذي كان بيده الملفات؟ من يعرف الأسماء؟ من بيده التمييز بين الشخصيات؟ صحيحٌ أنه لم يكن من المصلحة إفشاء الأسماء لعامة الناس، وذلك لما يستتبعه - ربما - من فوضى اجتماعية، ولكن لا بد أن يكون هناك عارفون بهم، وكان حذيفة بن اليمان العبسي أهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ممن اطلع على هؤلاء المنافقين وأدوارهم، فلنبدأ مع هذا الرجل الموالي لأهل البيت عليهم السلام، السائر على خط أمير المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. كيف كانت بدايته؟ وما هي محطات حياته؟ يبدأ الأمر بإسلام حذيفة مع أبيه حِسل أو حُسيل على الاختلاف في ذكر اسمه، واليمان لقب والده حسل، وقد قيل هنا إن والده الذي كانت أصوله مكية لكنه كان قد سكن المدينة وحالف بني عبد الأشهل قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وفيها أخذ لقب اليمان لأنهم كانوا يعتبرون الأنصار من اليمن، ولما بدأ أعيان المدينة يبايعون النبي صلى الله عليه وآله في موسم الحج كان ممن بايعه، ولم يكن حذيفة معه ولكن حذيفة لم ينتظر وصول النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة ليومن به بل أسلم قبل وصوله. وفي قضية عدم شهوده بدراً تنقل مصادر مدرسة الخلفاء خبراً لا يخلو من تأمل ويحتاج إلى تفسير، فقد نقل عنه قوله: قالَ: ما مَنَعَنِي أنْ أشْهَدَ بَدْرًا إلّا أنِّي خَرَجْتُ أنا وأبِي حَسِيلٍ، قالَ: فَأخَذَنا كُفّارُ قُرَيْشٍ فَقالُوا: إنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنا: ما نُرِيدُهُ، وما نُرِيدُ إلّا المَدِينَةَ، فَأخَذُوا مِنّا عَهْدَ اللَّهِ ومِيثاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إلى المَدِينَةِ ولا نُقاتِلُ مَعَهُ، فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله، فَأخْبَرْناهُ الخَبَرَ فَقالَ: انْصَرِفا، نَفِي لَهُمْ، وأسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ".[305]ويثير هذا الخبر تساؤلات: 1. هل كان حذيفة وأبوه في مكة أثناء غزوة بدر حتى يستطيع الكفار منعهم؟ فإن من المعلوم أن الوالد حسل أو حسيل (الملقب باليمان) كان قد ترك مكة أيام الجاهلية في دم طلب به، وسكن المدينة وتحالف مع بني عبد الأشهل وتزوج منهم وكانت أم حذيفة أشهلية مدنية، وولد حذيفة هناك، بل إن اليمان إنما بايع النبي صلى الله عليه وآله قادماً من المدينة إلى منى -بيعة العقبة- فماذا

--> 304 ) التوبة: 101 305 ) ابن أبي شيبة؛ أبو بكر: مصنف ابن أبي شيبة ٦/‏٤٥١، ونقل في مسند أحمد وفي صحيح مسلم وغيرهما.